الشيخ محمد اليعقوبي
42
في ثقافة الرفض وإصلاح المجتمع
الإلهي الذي أدّاه أهل البيت عليهم السلام ورسموه لشيعتهم ومن أهم معالمه الاستقلال المالي عن السلطة بما وضعوا من تشريعات وعلى رأسها الخمس ، ونهيهم عن الانخراط في أعمال السلطان والوظائف الحكومية خصوصاً التي تدعم وجود السلطة الظالمة وتعطيها المشروعية ، كما حثّوا عليهم السلام على ما يسمى بالأعمال الحرة التي تؤدي إلى تمتين الوضع الاقتصادي للشيعة كالتجارة والزراعة وقد وردت روايات كثيرة في ذلك ، وهذه الفكرة تساعد في فهم تلك الروايات كالتي جعلت تسعة أعشار الرزق في التجارة . وكل ذلك لتحرير عامة شيعتهم وخصوصاً العلماء من التبعية للسلطات والخضوع لإرادتها والاستسلام لأهوائها . وقد نجح هذا التخطيط في حماية عقيدة التشيع وصيانتها من الانحراف وحفظ هوية مدرسة أهل البيت عليهم السلام خصوصاً في عصر الأئمة عليهم السلام حيث كانت السلطات الدينية والدنيوية - كما يقال - مجتمعة بيد الخليفة ولم يحصل الفرز مما يتطلب الحذر والحزم في التطبيق ، أما اليوم حيث انفرزت السلطات فلم يجد الفقهاء مانعاً من الانخراط في الكثير من الوظائف الحكومية التي فيها خدمة الناس وبناء الدولة المتمدنة . وفقهاء الشيعة وإن لم يُبتلوا بمسايرة السلطة بفضل هذا التخطيط المبارك أو لأن السلطة لم تقع بأيديهم ولو وقعت لما اختلفوا كثيراً عن علماء العامة كالذي نشهده اليوم حيث ذاب جملة منهم في مصالح مع الحكومات التي أخذت منهم المشروعية وساقوا الناس لتأييدهم فخلّفوا وراء ظهورهم المبادئ والوظائف الإلهية وعلى رأسها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى صار العراق يتصدر دول العالم في الفساد .